problèmatique 5

 

الشعور بالأنا و الشعور بالغير. 

I ـ تحديد مفهوم الأنا و الغير: 

الأنا عند إبن سينا هو ما يقصد به الفرد البشري بلفظ « أنا ». هو جوهر قائم بذاته مخالف للجسم و أحواله. هو شيء وراء البدن. لذا تختلف « الأنا » عن الفرد الذي يعني مجرد الوحدة التي تضمن بقاء الماهية في كائن. لذا يعتبر الفلاسفة الأنا ذلك الجوهر المفكر الواعي بذاته مختلفة عما سواها و متفردة. أما الغير فهي ما خالف كل ذات، و هو الذات المماثلة و المختلفة عن « أناي » في آن واحد.   

 

II ـ الوعي و تشكل الذات: 

أن إدراك تمايز الذات عن الغير يتم عن الوعي بالذات و الوعي بالموضوع. و هنا يطرح السؤال عن العلاقة بين الوعي و الوجود. 

يقدم ديكارت عبارته المشهورة في تقدم الوعي عن الوجود حين يقول أن الوعي أو فعل التفكير حقيقة لا يمكن الشك فيها: إذ كل شك في هذه الحقيقة هو ليس شيئا آخر غير التفكير. إذن « أنا أفكر » حقيقة مطلقة تنتج عنها حقيقة الوجود. 

إلا أن فصل الوعي عن الجسد و العالم الخارجي مخطئ بخصوص طبيعة الشعور من حيث أنه انفتاح على العالم و على الذات. 

هذا ما أراد أبو الظاهراتية « إيدموند هوسرل » أن يوضحه: ليس الشعور جوهرا ولا مادة، إنما هو نشاط إسقاطي على الأشياء. فهو في تغير مستمر نظرا لعلاقة بين الخبرات الماضية و تجاوز الحاضر من خلال القصد إلى العالم الخارجي و موضوع الشعور. 

 

الرد على التفسير بالوعي: 

إن وعي الذات بذاتها أمر مستحيل لأن الذات من حيث هي واحدة لا يمكن لها أن تعي ذاتها بذاتها. فلا بد من طرفين في كل معرفة هما الذات العارفة و موضوع المعرفة. و أن معرفة الذات ليس إلا انطباعا و تمثلا. و ليست معرفة حقيقية. لذا يتحدث الظاهراتيون عن الوعي أو الشعور  القصدي. و علم النفس التحليلي من جهته يرى أن الذات ليست مملكة يتربع عليها الوعي و تنفتح جنباتها للوعي مثل انفتاح الكتاب. فلقد قرر « فرويد » أن الكثير من سلوكاتنا خاضعة لقوة المكبوتات، تلك الرغبات التي اكرهنا على كبحها. و بالتالي لا يمكن للشعور أن يتعرف على اللاشعور. 

 

و هذا يعني أنه لا جدوى من المحاولة في معرفة الذات؟ و أن معرفتنا لأنفسنا مستحيلة؟ 

و إذا كانت معرفة الذات لنفسها كذلك، ألا يمكن أن تعرف الذات نفسها من خلال الغير؟ 

إن الغير الذي أعيش معه في تفاعل يحكم علي و من خلال أحكامه تلك إما أنه يطلعني على ذاتي أو يدفعني إلى التفكير في ذاتي و هكذا يصقل الوعي بالذات. و الوجود المستمر للغير فتلك المواقف و المناسبات هي في الحقيقة فرص لتذكير الذات بقيمتها. 

لكن ذاتي لا يعرف منها الغير إلا الظاهر. فالشخصية الموضوعية لا تعبر عن حقيقة الذات. 

* إذن، معرفة الذات لذاتها معرفة حقيقية مستعصية. و يبقى الوعي رغم ذلك شرطا ضروريا. 

فالذات هو نسق من العلاقات الواعية و اللاشعورية و وعي و اتصال بالغير. و هذه العلاقات تحدد تقريبا ماهية الفرد دون تغليب الذات. 

 

فكيف تتحدد هذه المعرفة لدى الفلاسفة؟ 

إذا كانت معرفتي لذاتي متوقفة على الغير، فمعرفة ذلك الغير لذاته متوقفة علي. فهل يكفي أن أكون مغايرا لأكون أنا؟ 

إن الأنا هو حضور الذات أما م الأنا. و الغير هو أنا آخر خارج عني. هل يمكن للأنا الواعية بذاتها أن تعرف غيرها؟ هل يمكن أن نتعرف على الغير مثلما نتعرف على الأشياء والموجودات الأخرى؟ و في هذه الحال لن يكون إلا مثيلا لبقية الأشياء و يفقد بذلك كل مقوماته كإنسان. 

 

III ـ معرفة الذات بين المغايرة و التناقض: 

معرفة الذات بالتقابل و المغايرة: 

إذا كانت كل معرفة تقتضي تفكيرا يتعلق بموضوع خارج الذات و مغاير لها منفصل عنها ، بينما معرفة الذات لنفسها لا يحصل بالاستدلال (التفكير) و إنما بالحدس. لذلك تحصل معرفة الذات بالحدس أما معرفة الغير تكون بالتفكير. و يقوم التفكير على المقارنة بين الموضوعات التي توجد خارج الذات العارفة. 

معرفة الذات تتم على أساس التناقض: 

بينما يرى الجدليون أن معرفة الذات تكون على أساس التناقض. إن الذات كشعور مستحيلة من دون وجود الطرف النقيض الذي أحقق من خلاله وجودي الفعلي. فالغير ضروري للأنا للانتقال من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل أو الوجود في الواقع الخارجي في إرادة التغلب و السيطرة عليه أو التموضع فيه. بقدر  القسط  نؤثر فيه على الغير نحدد ذاتا ما متميزة عن الغير.  هذه الذات التي تحقق إرادتها و يعكس الغير تلك الإرادة. 

الاعتراضات: 

تحقق الذات على أساس الصراع قد نجده في قوانين الوجود الحيوانية. أما الوجود الإنساني متميز بالعقل و الوعي و الإرادة. و ما دامت كل ذات تتصف بذلك فالتعرف الأجدر بالإنسان هو الذي يتم بفضل هذه القوى و هذه الخصائص. فالغير ليس ذلك الذي يجب التعامل معه بالقوة أو مثلما نتصرف في الجوامد، و إنما يكون بالتكامل بين الذات و الغير. فالأخر يعرفني  بذاته، كما أعرف ذاتي للغير دون تصادم أعمى. فالأخر ضروري للتعرف على ذاتي بنفس الضرورة التي أكونها ليعرف الآخرون ذواتهم. 

  

 

IV ـ التعرف على الذات و الغير يكون بالتواصل: 

إن كانت كل ذات بمثابة الموضوع الممتنع معرفته من لدن الغير، و أن الحدس لا يعرفنا بحقيقة الأنا و لا بالغير، يكون التواصل أفضل وسيلة للاطلاع على مكنون الغير و التعرف عليه كما أطلع الغير على « أناي ». و بحكم المماثلة بين الذوات البشرية و الاشتراك في العواطف و الوجدانات و في اللغة الطبيعية و الاجتماعية يمكن تعريف بعضنا للبعض و يعرف بعضنا الآخر. 

و يؤكد « ماكس شيللر » أن التعاطف وسيلة الإنسان في التعرف على الغير. أما الظاهراتيون فيرون أن التعاطف هو نزوع إلى امتلاك الغير و بالتالي تشييئه. لأننا لا نملك في الحقيقة إلا الأشياء. أما مشاعر الناس و جواهرهم فهي تفلت من قدراتنا. لذا نجد « برقسون » يرى أن اللغة لا تطلعنا على حقيقة الغير، كما لا نجيد تعريف أنفسنا بها للغير. 

و « قابريال مارسل » فإن الأنا من حيث هو منفرد لكنه ليس شيئا نعبر عنه بـ « هو »، و الذات البشرية ليس الغير و إنما حضوره الدائم أمامي و في أناي في كل الواقف كحرية مثلي، التعرف عليه يكون بالتفتح عليه. و بالتالي تكون الصورة التي أملكها عن الغير هي التي يتمثلها شعوري.   

 

V ـ بين الطرح المجرد و الممارسة العملية: 

الطرح المجرد: 

إذا كانت الجهود من أجل أن نفهم الآخرين و يفهمنا الآخرون هي من دون جدوى، و للخروج من هذا الفشل وجب الانطلاق من جملة من القيم السامية و المتأصلة في كل واحد منا و هي تعبر  عن الشخص الإنساني الذي يتواجد في كل واحد منا. لأنها ميل إلى الأخر على أساس الطيبة و الخير.   

لأنه إذا كنت أنا تابعا لأناوات أخرى هي غيري، فهذه المجموعة التي أنتمي إليها تلحق الأنانية المركزية ضررا بالكل المكون للجماعة، فإننا نكتشف التشابه بيننا و الغير بقدر ما انشغل عن « أناي » و اهتم بالغير. و لذلك تنمو مسؤوليتي. فذاتي لا تتحدد إلا على أساس ارتباطي و دوري بالنسبة إلى الغير. 

لدى « سارتر » يعني الانتباه « attention » التوجه نحو الخارج نحو الغير أو العالم الخارجي، و أن المعرفة هي إقلاع من الذات للوصول إلى ما ليس « أنا ». و لا يمكن أن يعقل أي حديث عن الوعي إلا إذا كان يقصد به وعي بشيء.      

 

الممارسة العملية: 

يرى البراقماتيون أنه يجب على الإنسان أن يتوجه إلى محبة الغير من دون اشتغال في البحث عن معرفته. و أن الاشتغال في البحث في التمييز بين « الأنا » و « الغير » يعمق الهوة بين الطرفين، إذ يكفي أن نستبدل الحدين بحد واحد هو الـ « نحن » فيه يحب كل واحد لأخيه ما يحب لنفسه. و أن التواصل الحقيقي هو في العمل و الانتاج المشترك الذي يحقق سعادة الإنسانية أي الـ « نحن »  في مواجهة الحياة. 

 

استنتاج: 

وعي الإنسان بذاته ليس مستقلا عن الارتباط بالآخرين من حيث هم أشباه له و كل ذات مختلفة متفردة يجب تأكيد الخصوصية مع الاعتراف بدور الغير الأنيس و ليس الغريب. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

الحرية و المسؤولية 

Liberté et responsabilité. 

 

مقدمة: يجب بالبداية فهم أن الحرية التي نقصد تناولها هنا هي تلك التي تتعلق بالمسؤولية. , إذا كانت المسؤولية تعني الحال التي أكون فيها أتلقى أسئلة قادر أنا الإجابة عنها. لذا يتكون ذلك الموقف من طرفين أحدهما يسأل و الثاني يتلقى السؤال: يكون مسؤولا، بضمان الجواب أما تلك السلطة التي تستوقفه، و منه تحميله تبعات الأفعال التي صدرت عنه بحرية. و هذه الحرية تعني حرية الاختيار بين الفعل          و الترك. و السؤال الذي يطرح نفسه يتمثل في العلاقة بين كل من الحرية و المسؤولية، من يلزم عن الآخر؟ هل الإنسان حر لأنه مسؤول، أم أنه مسؤول لأنه حر؟ 

 

رد المسؤولية إلى الحرية: 

مختصر الموقف أن شرعية المسؤولية لازمة عن حقيقة واضحة جلية هي الحرية التي تعني القدرة على الفعل و عدم الفعل عن وعي      و إدراك لكل الدوافع و البواعث و من دون إكراه. 

المتهم أمام المحكمة يعتبر مسؤولا عن أفعاله لأنه يستوفي شروط المسؤولية التي هي الوعي و الإرادة الذان يعبران عن الفعل الحر. 

إن الحرية هي الأصل و الحق لذا فهي تبرر المسؤولية: 

نظريات إثبات حرية الاختيار و أصالتها: 

رأي أفلاطون: إن الروح بكونها من عالم المثل تكون قد اختارت كل أفعالها حينما كانت واعية حرة و أنها اختارت كل أفعالها، إلا أنها لم تعد تتذكر بسبب شربها من وادي النسيان. « أسطورة الجندي « إر ». بدليل أن أول من يحمل الجاني المسؤولية على منطلق كونه حرا هي النفس ذاتها حين تأنيب الضمير و عند الشعور بالندم. حينئذ يعترف الإنسان أمام ضميره أو نفسه و يحمله المسؤولية.    

أما المعتزلة فهم أيضا يرجعون المسؤولية إلى الحرية على خلفية التكليف و الجزاء الشرعيين، بما يشبه قليلا ما ذهب فيه أفلاطون، قائلين أن الإنسان يحس من ذاته وقوع الفعل بحسب الدوافع و الصوارف، فإذا شاء الحركة أو السكون فعل. و ديكارت من جهته يرجع الحرية إلى العقل. و الفيلسوف الألماني « كانط » يرى أن الحرية من حيث هي ضرورة وجب الانطلاق منها و إلا استحالت استقامة الأعمال و استحال الجزاء و تعم الفوضى. شأن الحرية شأن كل معطيات العقل النظري فهي تتصف كلها بالضرورة « la nécessité« . و المفكر و الفيلسوف الفرنسي « H. Bergson » « برقسون » يرى أن الإنسان يتقاسمه عالمان أحدهما علم الحتمية و عالم المادة، و عالم النفس عالم الحرية الديمومة التي لا نجد تكرارا للارتباط بين العلل و المعلولات. فهي ليست قابلة للتعليل و التحليل. 

و الوجودية تربط الحرية بماهية الإنسان. لسبب أن كونه محصورا بين الماضي الذي لم يعد موجودا و متجها نحو المستقبل المجهول حكم عليه بالجوهر على الاختيار بين الممكنات التي يتصورها من مقترحات الخبرة الماضية لعلها تفلح في مواجهة المستقبل. 

* لــــكن، هذه النظريات كلها انطلقت من التسليم بحرية الإنسان على شهادة الإرادة أو الضرورة إلا أنهما ليسا كافيين في إثبات حرية الاختيار. فالإرادة هي بنت الخبرة (العادة) و الوعي لا يطال أسباب كل ما يصدر عنا. أما التفسير بالضرورة فهو افتراض باطل لأنه بناء على تأويل ما حصل بشكل من الأشكال من أفعالنا. حين يقول القاضي للمتهم  » كان بوسعك أن تفعل و لا تفعل، فاخترت لأنك كنت حرا… » و هذا تبرير لحرية المتهم بتأويل أفعال ماضية… لذا يسمي « نيتشه » حرية الاختيار بميتافيزيقا الجلاد. و ما كان يتحدث عنه « برقسون » كحرية داخلية لا تنجر عنها مسؤولية اجتماعية. أما حجة الوجوديين فهي ترجع كل أفعال الإنسان إلى الحرية… 

 

نظريات نفي حرية الاختيار: 

إن الحتميات بمختلف أنواعها (الميتافيزيقية، الطبيعية،الاجتماعية، و النفسية) هي حقائق تحاصر الفعل الإنساني، فالحرية وهم و المسؤولية تعود إلى الضرورة و ليس إلى الحرية. و يرى الجبريون إن الفعل ليس من صفات العباد، و أنه لا فاعل إلا الله. و دعاة الحتمية الطبيعية (الفيزيائية) ينطلقون أن أفعال الإنسان تنجر عن الخصائص الفيزيائية و الكيميائية و الميكانيكية. و أن الاختيار الحر ليس إلا ميلا إلى حتميات دون غيرها. 

لكن نفي الحرية عن الإنسان هو تسويته مع عالم الطبيعة و الحيوان و منه تسقط كل أشكال الجزاء و القيم. كما أن التحجج بالحتميات لا يعني الخضوع و الاستسلام لها و تكون أنفسنا مجالا لسريانها. إن الإنسان يتمتع بالوعي و الإرادة الذان يقدران على التقريب بين الحتميات التي لا يمكن تجاهلها و حرية الاختيار كضرورة لا بد منها. 

و منه تحول الجدل، من البحث في حقيقة الحرية إلى مشكلة التحرر. و التحرر كعمل، لا يتجاهل الحتميات و لا يستسلم لها، و إنما يتعامل معها. 

فإذا كانت الحرية شرطا للمسؤولية، و نحن نعلم أن الحرية لم يوصل إلى التحقق منها، فكيف يمكن بناء المسؤولية على ما لم يتأكد منه؟ 

 

كيف يمكن رد حقيقة المشكلة إلى المسؤولية لا إلى الحرية؟ 

هل يعقل بناء المسؤولية على الحرية؟ 

في حالة ثبوت الشرط: 

حين ثبوت الحرية، يكون الإنسان مسؤولا لأنه حر، و منه يقتضي الجزاء. أما في الحالة الثانية، يكون التكليف و المسؤولية بمقتضى الواجب و القانون من دون اعتبار للحرية، فتسقط المسؤولية على كل الناس من دون تمييز. على خلفية أن الإنسان في كل الأحوال حر لأنه مسؤول. 

أليس من الشرعي طرح قضية المسؤولية قبل قضية الحرية

يرى فلاسفة الأخلاق و رجال الدين أن المسؤولية أسيق من الحرية و أنها أولى. إن ارتباط المسؤولية بالتكليف و خاصة العقاب جعلها أولى بالطرح و الاهتمام.. و لقد كانت جهود مكافحة الجريمة تقضي بالمسؤولية في تحقيق العدالة.   

ألا يتمثل مصدر المشكلة و حلها في عظمة الإنسان؟ 

من حيث كونه حضين المسؤولية و راعيها: 

يعتبر الإنسان مسؤولا منذ الطفولة الأولى و يحمل نتائج أفعاله بغض النظر عن أدنى اعتبار للحرية. لذا تنصب المسؤولية على الإنسان لكونه إنسان ليس أكثر و لا أقل. و يعتبر تدخل الضمير في تصحيح سلوكاتنا و دفع الضرر على شهادة على تأصل المسؤولية فينا 

من حيث عظمته في ميزاني العلية العلمية و العلية الفلسفية: 

إن الإنسان يميز بين ما يعتبر فيه مسؤولا باسم العلية الأخلاقية و بين ما ليس فيه مسؤولا مما يحصل بسبب العلية العلمية التي تسري في قوانين الطبيعة التي و إن كانت عنصرا في السلسلة التي تكون غل الإنسان، فهذا الإنسان نفسه لا يتعرى أو لا يجب قبول تنصله من المسؤولية. إن المسؤولية لا تسقط عن الإنسان بتوفر الدوافع الأسباب الموضوعية. 

من حيث هو مستخلف في الأرض: 

و كون الإنسان خليفة الله في الأرض يترتب عن الاستخلاف وجود شروط و التزامات هي الضوابط التي وضعها صاحب الملك  ـ الله ـ فهو يعتبر مسؤولا بحكم هذه الشروط، فيجزى يوم القيامة طبقا لها. 

 

الخاتمة: 

الحري و المسؤولية من القضايا المرتبطة بجوهر الإنسان و لا يسع لأي كان يحترم و يقدس و بشرف الإنسان برفع المسؤولية عنه. لذا يقول هيقل أن تحميل المسؤولية للإنسان اعتراف له بخاصية تشرفه عن بقية الكائنات و هي العقل. ألا يعتبر رفع المسؤولية عنا في ما صدر منا تحقيرا لنا. أن نعتبر غير مسؤولين ينقص من جدارتنا بصفة الكائن العاقل؟       

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

العنف و التسامح 

Violence et tolérance. 

 

ما هو العنف؟ 

كل تجاوز يصدر عن الإنسان على حق من الحقوق يسمى عنفا. السرقة و القتل و منع الغير من الحرية و الملكية و الازدراء أشكال من العنف، و أنها تطاول على ما تشعر به الضحية أنه حق لها. و ينقسم إلى عنف مادي و آخر أخلافي و معنوي.  يقابل العنف التسامح. فهل من العدالة مقابلة العنف بالعنف؟ أو أن نكون متسامحين مع من يمارس العنف؟ 

المعاملة بالمثل أو القصاص: 

كانت مقابلة العنف بالعنف معروفة منذ القديم؛ سواء في الشرائع الوضعية أو السماوية، بمختلف الغايات و المقاصد. إلا أن الفلاسفة أخذوا موضوع العنف من حيث هو ممارسة يجب منعها و تحريمها. و أن المعاملة بالمثل استمرار في ممارسة العنف و ليس علاجا منطقيا له. إن العنف لم يقض على العنف. و ميل الإنسان إلى محاربة العنف باستخدام القوة و لد أشكالا أخرى من ردود الأفعال لدى من يمارس عليهم ذلك العنف. 

ما هي أسباب العنف؟ 

من حيث هو ظاهرة إنسانية، فتتحكم في العنف عدة أسباب و عوامل. لذا أخذته موضوعا لها عدة علوم كالبيولوجيا من خلال طب الأعصاب و الوراثة، و علم الاجتماع و النفس. و يعتبر علم الإجرام جهدا في تحديد أسباب العنف على هذا المستوى. 

1/ الأسباب الاجتماعية و الاقتصادية

2/ الأسباب السياسية و الثقافية: 

3/ الأسباب النفسية: 

التعليلات: 

ـ أن العنف لا يراه إلا المنهزمون و الضعفاء، أما الغالبون لا يرون في أفعالهم أي عنف. يرى « هيراقليطس » أن العنف أصل الحياة. أما « نيتشه »، فيرى أن الإنسان جبل على العنف. إلا أن التعبير عنه يختلف لدى القوي و الضعيف. و أن على أساس هذا العنف تتحدد ماهية الأفراد و الأمم و المنزلة و الدور في حلقات تشييد الحضارة الإنسانية. 

ـ و أن العنف حالة أصيلة في الوجود و أنه لا طعم للحياة إن خلت من العنف. طعم الحياة و الحرية و التمتع بالحق من قلق فقدانها. كما أن القوة الغضبية هي التي تدفع إلى التجديد، لذا يحق للأقوى ما لا يحق للضعيف. 

ـ أما الوجوديون فيرون أن العنف ينتج من طبيعة العلاقة بين البشر ـ تعدد الأناوات ـ و نزعة كل ذات إلى امتلاك الآخر و القصد إلى تشييئه هو الذي يولد العنف و يجعل الإنسان تحت رحمة الجنون. 

ـ أما « إنقلز » فيرى فيه أصل البناء. فالتناقض بين الواقع كمجال لسريان القانون و الحقوق، يشعر الإنسان بغبنه و يولد فيه قوة عنيفة تدفعه إلى تجاوز و إعدام الحاضر و القضاء عليه و تجسيد الأماني الممنوعة بعنف القانون. لذا يكون جديرا أن نميز بين نوعين من العنف. العنف الهدام الذي يمارس على حساب حقوق الإنسان، و العنف البناء. و بعبارة أخرى، يضطر الإنسان إلى الأخذ بالوسائل العنيفة حينما تكون الفضيلة مهددة. 

كيف يمكن الوصول إلى مقابلة الشر بالخير؟ 

من خلال إدراك سلبيات العنف و بطلانه: 

ـ العنف يولد العنف. 

ـ العنف ليس طبيعيا و إنه يظهر حين تكون الحياة مهددة. 

ـ العنف يمكن معالجته من خلال الوقوف على أسبابه. 

ـ مقابلة العنف بالعنف ذريعة المجرمين و الفاشلين في معالجة العنف علاجا جديرا بالإنسان ككائن متخلق. 

من خلال إيجابيات اللاعنف: 

ـ اللاعنف صفة جديرة بالإنسان. يسمو به عن الحيوانية. 

ـ اللاعنف يحارب الشر و يغذيه. و هو استراتيجيا الحكماء في التميز عن أهل العنف من حيث نبل الوسيلة و سمو المقاصد. 

ـ اللاعنف لا ينبغي مقاربته بالجبن و السلبية، و إنما هو نضال و ترويض للنفس على مباعدة الشر. 

ما هو التسامح(La tolérance)

إذا كان التسامح يعني تقبل أساليب الآخرين في التفكير و الفعل، رغم اختلافها عن أفكارنا و معتقداتنا و سلوكاتنا العملية. فهي إذن تختلف قدرة هذا التقبل حسب الظروف و الأشخاص. فللتسامح حدود و مقدار إذا تجاوزهما  الغير أصبح الفعل فرصة لتجلي الشر و الظلم. فلماذا هذا التقييد الذي يفتح بابا لبقاء العنف؟ 

ـ إن الفضيلة بناء لا يدوم إلا إذا تأسس على ما يضمن بقاءها، لذا لا يكون من الفضيلة ما يمكن أن ينتج الفوضى أو الشر. و لقد مر بنا أن للحرية و الديمقراطية (الحقوق) حدود و ضوابط لا ينبغي تجاوزها أو التعدي عليها. و بالتالي لا يكون من المعقول التسامح مع من ليس متسامحا. 

ـ إذا كان التسامح يتوجه نحو مصادر العنف من حيث هي مقصودة، فالتعامل مع نقيض التسامح يهدد التسامح، كذلك يولد العنف من التراخي     و التمادي في هجر العنف و القوة. إذ لا يعقل التسامح تجاه من يهددون التسامح. مثل احترام الديمقراطية من خلال أعداء الديمقراطية. 

ـ  كما يعتبر كل من « ماكيافيلل » و « سبانسر »و « نيتشه » التسامح أفضل وسيلة لإنجاح أي مشروع خاصة في ميدان السياسة. 

 

 

ـ و لقد ارتبط التسامح في التاريخ الإسلامي و المسيحي… بمحاربة الحقد و نزعة التكفير و التحقير بين أهل الملل و النحل و الأديان. و برزت من بين المسلمين أهل الوسطية و الاعتدال و محاربة الغلو و التطرف، و لقي الغرب الأوربي في إقرار حرية الأديان مخرجا من العنف الديني. 

 

إن نسبية القيم الأخلاقية تجعل من حدود التسامح يختلف حسب الثقافات. 

ـ و لا تسامح إلا بقبول الطرفين التنازل عن كل أشكال الاستعلاء و الإكراه و الحقد و الاستقواء. 

ـ و يرى كثير من الفلاسفة أن التعامل مع الغير لا ينبغي أن يدفع المجتمعات إلى هجر و عدم حيازة وسائل الردع، كما يجب أن نتجاهل ثقافة     و القيم الحضارية للآخر. 

  

* إذن لا تسامح إلا بوعي المتسامح لمجال صلاحياته و حدوده. فهل هذه الشروط تضمن تحقق التسامح، أم تتسبب في فشله؟ 

إن أي شرط معرقل في تحقيق التسامح. و أن التسامح لا ينبغي أن يخضع لأي شرط. 

الحكمة من عدم تقييد التسامح بأي شرط مسبق . 

من حيث الشكل: 

ـ لأن كل شرط مسبق يوضع مقابل التسامح، تحت أي اعتبار مثل نسبية القيم، هو رفض للآخر، و جعل التسامح في مهب الأهواء و التقديرات الذاتية. و بالتالي قضاء على التسامح. 

ـ إن رفض العنف الذي يصدر من الغير يعتبر شكلا أخر من العنف، ما دام المحرك لأفعال الإنسان المقصودة هي نفس القيم السامية المطلقة التي يؤسس عليها الإنسان حقوقه و يشحن بها إرادته. و إذا اشترط طرف استبعاد ذلك الأساس لدى الأخر، فهم من وضع ذلك الشرط شكل من أشكال الاستخفاف و التحقير… و هو عنف. 

ـ أما التسامح المشروط بالحذر و الاحتياط فهو يدل على غياب أو اضطراب الثقة بين الطرفين. هذا ما يدفع إلى وجوب إرساء تسامح متحرر من أية مساومة.   

من حيث المضمون: 

ـ إن جعل التسامح مشروطا و أي ارتفاع للشرط يقضي على التسامح كما يحول تعلق الإنسان به و يتحول عن التسامح و لا يشجع استمرار التعايش السلمي بين الفرقاء. بل يكون هذا التعايش رهين ذلك الشرط. فلا يعود التعايش السلمي دالا على التسامح و قبول الأخر. لا عنف ظاهر  و لا نوايا خيرة. 

ـ كما أن ربط معظم المهتمين بالتسامح بالتعايش بين العقائد و الديانات بعيدا عن المجالات الأخرى كالسياسة و الاقتصاد و الاجتماع. فالسيرة النبوية مثال في التسامح الذي يجب بين البشر على مستوى العائلة و القبيلة و الأمة و الإنسانية. 

ـ أما « جون لوك » فيرى أن الفصل بين السلطة السماوية الدينية و السلطة السياسية الأرضية بحيث يحترم الإنسان قوانين الدولة التي تحمي حقوقه دون أن تعارض الدولة كمجتمع سياسي و المجتمع الكنيسي. و تقبل هذا الفصل و التمايز سيحقق التسامح و ينتهي العنف. 

* إلا أن الخلاف لا يزول إلا بالتفاعل و التقارب بين الشعوب و زوال الحواجز الثقافية و المكانية، و حينئذ يتغلب الشعور الإنساني في التفاعلات و الترابط في كنف الاعتراف بالخصوصيات واحترامها و الوعي بها. 

 

الخاتمة: 

  إذا كان من العنف ما يصدر من مبررات تجعله مفصودا و واعيا، و أن الحكمة في التقريب بين النقيضين و الجمع بين الشتات و أن مهمة رأب الخلاف ليس في متناول كل الناس. إذ كثيرا ما يغشي التعصب البصيرة، و يتحول الإنسان يعقله و إرادته إلى وسيلة في يد الغريزة. بينما الحكمة تقتضي إعمال العقل المتحرر من سلطان الغريزة، و قبول العيش مع الغير ليس بحكم الظروف و إنما بحكم الأخوة الإنسانية التي تعلو عن التشبث بما نختلف فيه إلى الوعي بما نشترك فيه.    

bert55 |
Cadence infernale. |
poésie c'est de l'art ,prov... |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | lechatquifume
| aaronjosu
| lectures, actualités et photos