الإشكالية الأولى

 

 

الإشكالية الأولى:                السؤال و المشكلة. 

 

المشكلة الأولى: 

            هل يصح القول أن لكل سؤال جواب؟ 

 

تقديم خاص لهذه الإشكالية: 

يجب أن يدرك الطالب الأهمية المتميزة لهذا المطلب الذي يفتتح به التعامل مع مادة الفلسفة.  و إن لم نجد في البرنامج الجديد درس المدخل إلى الفلسفة، فبحكم اعتماده لطريقة المقاربة بالكفاءات، نجده متحققا في هذه الإشكالية، و فق منهج المقاربة. إنه يكسب الطالب الكفاءة المناسبة للتعاطي مع التفكير الفلسفي. 

إن الإحاطة بمفاهيم كالسؤال و المشكلة و الإشكالية و العلاقات الممكنة بينها، هي اكتساب الكفاءة للتعاطي مع الفلسفة، و خاصة تعلقها بالأسئلة و المشكلات و أنواعها…. 

لذا تكون هذه الكفاءة ضرورية في التعرض لكل محتوى البرنامج. 

 

  

1 ـ تمهيد: قد يبدو لدى الكثير من الناس أنه لا فرق بين مفهوم السؤال و مفهوم المشكلة، لكن إدراكنا لتنوع الأسئلة من حيث البساطة و التعقيد من جهة، و من حيث سهولة و صعوبة الإجابة من جهة ثانية، نصل إلى أن الأسئلة أنواع منها: 

أ ـ الأسئلة المبتذلة:  هي تلك التي لا تثير في نفس الشخص القلق و الدهشة، و الإجابة عنها تكون بحكم العادة تكون سهلة و دون جهد فكري. كأن نسأل عن:(1+2=؟)، عن اسمنا،…إلخ. 

ب ـ أسئلة المكتسبات: هي التي تكون الإجابة عنها حسب الاكتساب العلمي و الخبرة المستفادة من الواقع المشترك. 

ج ـ الوضعيات العملية: يكون فيها المخرج على قدر النجاح العملي. (حين يقع شخص في مأزق، فالمطلب هو كيفية الخروج الناجحة…) 

د ـ الأسئلة الانفعالية: تولد معاناة نفسية و فكرية لدى الفرد بسبب تعقدها و تعلقها بأكثر من وضعية أو موضوع. ( في موضوع زرع الأعضاء يجد المسؤول نفسه أمام قضايا متشعبة لارتباط الموضوع بالطب، الدين، علم النفس….إلخ) لذلك تختلف مقاييس الإجابة من حالة إلى أخرى، كما قد تجتمع الأحكام المتضادة كالشر و الخير… 

و بالنسبة إلى نوع الأسئلة التي تتطلب تفكيرا ما و إجابة يكون إما بتجاوز التناقض و إشباع الفضول العلمي، و قد ينتهي الأمر إلى إثبات خطأ فكرة أو إرساء حقيقة أخرى. 

و يبقى لنا فقط أن نميز بين كل من السؤال العلمي و السؤال الفلسفي. 

 

2 ـ السؤال العلمي و السؤال الفلسفي: 

السؤال العلمي: يتميز السؤال العلمي من حيث أن موضوعه الظاهرة الطبيعية (القابلة للملاحظة)    و الذي يقتضي التخصص و التجزئة (تحديد و فصل الموضوع ) و ما يتعذر على ذلك يكون حله بواسطة التجريب. الغاية منه البحث عن السبب القريب أو المباشر. 

السؤال الفلسفي: موضوعه الميتافيزيقيات (الماورائيات[1])، متسامي عن الحالات الجزئية، الغاية هي البحث عن العلل الأولى.[2] و تكون الإجابة بفضل النظر (الاستدلال) العقلي (الحكمة) و ليس التجريب. 

 

3 ـ متى لا يكون للسؤال جواب؟ 

يتعذر الجواب حين يبقى السؤال يثير القلق و الحيرة و يتساوى في كل وجهات النظر الصدق       و الكذب في شأن الحالات المتناقضة. و هذا ما لا يتقبله منطق العقل، و تتسق مع قواعد التفكير السليم. 

و نسوق لك بعض الوضعيات. 

ـ هل بإمكان حلاق يحلق فقط لمن لا يحلق لنفسه أن يحلق لنفسه؟ 

ـ كاذب يعترف أنه يكذب، هل يجب تصديقه أم تكذيبه؟ 

 

في الحالة الأولى نجد أنفسنا أمام المشكلة التالية: أن الحلاق بحكم أنه يحلق فقط لمن لا يحلق لنفسه، إن لم يحلق لنفسه هو، فهو قادر على أن يحلق لنفسه. و في نفس الوقت إن فعل، لا ينبغي أن يحلق لنفسه إن حلق لنفسه. 

و في الحالة الثانية: فاعتبار الكاذب صادقا ينفي عليه صفة الكذب، و من جهة أخرى إذا اعتبرناه كاذبا في اعترافه فهو صادق في كذبه فهو كاذب. 

 

إذن، مبدئيا لكل سؤال جواب، إلا أن من الأسئلة ما يستعصي الجواب عنها ـ حسب البساطة و التعقد ـ فالأسئلة المربكة و المقلقة هي التي يتناولها الفلاسفة في شأن المواقف التي تمثل إشكالات. 

 

فهل يعتبر كل سؤال مشكلة؟  و هل كل مشكلة سؤال؟ 

قبل الخوض في أي جواب، يجب تحديد مفاصل السؤال و المفاهيم التي يحتويها. فماذا يعني مفهوم السؤال، و ما يعني لفظ المشكلة، لكي ننتهي إلى تبرير أية علاقة بينهما. 

 

ـ السؤال: قد يتراوح معنى السؤال من الطلب و الاستعطاء، إلى موضوع الاختبار أو الامتحان و الفحص، و عند أهل التربية ما تجب الإجابة عنه، أما عند الفلاسفة فالسؤال مشكلة و إشكالية. 

إذن ما هو المقصود بالمشكلة؟ و ما هو المفصود بالإشكالية؟ 

 

 

ما هي المشكلة؟ 

من معناها اللغوي نفهم أن المشكلة هي ما استعصى أو استحال على الحل و التوضيح من المسائل سواء لالتباس أو تعقد و تفرع فيها. لذلك من المسائل ما مشكلات ما هي معضلات، و منها ما هي قضايا، و الفرق بينها أن المشكلة تختلف عن المعضلة في أن الأخيرة لا ينتهى إلى حلها. و القضية تعني ما يحتاج فيه إلى حكم و فصل بين حدين أو حكمين، أو معطيين أو أكثر. 

 

ما هي العلاقة بين السؤال و المشكلة؟ 

من الإجابات المقدمة في بداية هذا العرض نستطيع أن ندرك التمايز بين السؤال و المشكلة: إن السؤال لا يتضمن بالضرورة مشكلة، و إنما بعض الأسئلة، هي مشكلات. و بعبارة أخرى لا يكون السؤال مشكلة إلا إذا توفرت فيه مجموعة من الصفات التي ستسمو به إلى مستوى السؤال الإشكالي أو المشكلة. 

 إذا كان من المستحيل أن ترقى الأسئلة المبتذلة إلى درجة المشكلة لأنها خلو من أي أمر يدفعنا إلى بذل جهد قبل تقديم الجواب. فمن الأسئلة مهما تكن استفهامات فهي لا ترقى إلى صف المشكلة. 

أما عن علاقة المشكلة بالسؤال، قد يبدو لنا هذا الاقتران اللزومي بحيث أن كل مشكلة يجب أن يعبر عنها بسؤال. لكن من المشكلات ما تطرح بغير صيغ الأسئلة.لا تأتي كل مشكلة على صيغة الاستفهام. على سبيل المثال « اجتماع الصدق و الكذب » و « الحرية و الحتمية »… فهي مشكلات من دون أن تكون أسئلة أي استفهامات. هذا من حيث الشكل. 

و الفرق الآخر نجده في الأثر الذي يتركه السؤال في الذهن على شكل تساؤلات و استفهامات. و هنا تجدر الإشارة إلى تنوع المشكلات بتنوع المطالب. فالمشكلة العملية هي التي تقحمنى في البحث عن التصرف الناجح و التكيفي، و المشكلة العلمية هي التي تزجني في البحث عن تفسير لظاهرة قابلة للملاحظة، أما المشكلة الفلسفية فهي التي تدفعنا إلى البحث عن الحقيقة الميتافيزيقية. 

و الأسئلة المشكلة يمكن أن تستعصي عن الجواب، كما تعلق بين الإثبات و النفي، و منها ما ينتهي إلى حلقة مفرغة أو طرح بامتناع أو إمساك عن أي جواب…هذه الحالات المقحمة و المربكة… يقال أنها أسئلة تنتظر الجواب. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

 

المشكلة الثانية: ـــــــــ المشكلة والإشكالية. 

 

متى يثير فينا السؤال الدهشة و الإحراج؟ 

 

1 ـ مقدمة و طرح الإشكال: 

إذا كانت العملية التربوية (البيداغوجية) تقوم على ثلاثة عناصر و التي هي: المتعلم، الخبرة المراد توصيلها للمتعلم، و الطريقة المناسبة، فهذه الأخيرة تكون ناجحة كلما كانت منسجمة مع رغبة  و قابلية المتعلم و طبيعة الخبرة على حد سواء. دون هذه القابلية تكون الطريقة التلقينية التي يكون فيها المتعلم طرفا سلبيا في العملية التربوية. و في ممارسة الفعل الفلسفي لا بد من هذه الروح التي تهز المتعلم و تشوقه إلى البحث و نخلق فيه الفضول. و هذا يتحقق بفضل السؤال، و الذي بدوره ليؤدي وظيفته في المتعلم لا بد على المتعلم أن يدرك و يفهم العلاقات المنطقية التي تربط بين الحدود التي يتضمنها السؤال. لذا تطرح التساؤلات التالية: 

ـ متى يثير فينا السؤال الدهشة و الإحراج؟ 

ـ ما هي علاقة السؤال بالمشكلة الفلسفية؟ 

ـ ما علاقة هذه المشكلة بالإشكالية؟ 

ـ ما علاقة السؤال بإثارة الدهشة و الإحراج؟ 

 

هل كل سؤال مشكلة؟ 

ما هو السؤال؟ 

لغة السؤال هو الطلب أما في الاصطلاح فقد تعني الموضوع، كأن نقول سؤال البكالوريا أي موضوعها، أما لدى علماء التربية هو ما يستوجب أو يفترض و يتعين جوابا عنه. أما عند الفقهاء فيعني النازلة و ما يطرأ من الأمور الصعبة و المستعصية. و لدى الفلاسفة هو المشكلة أو الإشكالية. 

ما هي المشكلة؟ 

ـ من الناحية اللفظية: فهي لفظ مشتق من أشكل و أشكلة و مشكلة و تعنى ما صعب و التبس من الأمور، و الشاكلة ما تفرع عن الطريق الرئيس. أما الشواكل فهي خليط اللونين. 

ـ من حيث التعريف: تقترح المعاجم معنيين هما: المشكلة هي المسألة التي تستدعي فك غموضها بالطريقة العلمية أو الاستدلالية. و تختلف المشكلة عن المعضلة. إذا كانت المشكلة هي الالتباسات فالمعضلة تتميز بكونها مشكلة تضيق فيها السبل إلى الإجابة أو الحل. 

أما القضية فهي عند علماء المنطق الشكل أو الصورة التي تأتي عليه المشكلة. و عند المفكرين هي ما يجب التفكير و البحث فيه. 

 

ما هي المسألة؟ 

هي من السؤال، و طلب حاجة أو تمرين لاختبار المهارة. 

ـ من حيث الاصطلاح: هي المسألة الفلسفية و التي يتحدد مجالها و موضوعها الذي يطرح طرحا فلسفيا. 

ما العلاقة بين السؤال و المشكلة؟ 

ندرك مما سبق أنه لا يمكن اعتبار كل سؤال مشكلة إلا إذا استطاع هذا السؤال أن يثير دهشة بطرحه قضية مستعصية عن الفك أو الحل؛ كما أن المشكلات ليست بالضرورة استفهامية بالشكل إلا أنها يمكن أن تكون كذل بالمضمون. كأن يثير رأي تعجبا أو استغرابا و دهشة، دون أن يكون على صورة سؤال. و السؤال حين يصعب الجواب عنه فيعلق بين النفي و الإثبات، و يدور في حلقة مفرغة (المعضلة) و قد يسكت عنه، و تبقى الحيرة و التردد. 

 

ـ التفكير أساس العلاقة بين السؤال و المشكلة: 

إذا كان التفكير لا يقوم دون وجود صور ذهنية أو مضمون عبارات تطرح أو ترد علينا من الخارج أو نحصلها في ذاتنا، و المقارنة بينها هي أساس التفكير لدى الإنسان.  و الدافع و الحافز إلى المقارنة لا يمكن أن يكون إلا بقدر الدهشة و القلق الذي تثيره و الذي بدوره يولد التساؤل . فالتساؤل هو مفتاح الاكتساب و التعلم، و النشاط الذهني. 

و العلاقة بين السؤال و الجواب ليست طردا و لا عكسا فمن الأسئلة ما تبقى دون إجابة، لكن يسمى سؤالا إلا ما يثير القلق منها. فإذا كان روسو يرى أنه لا تفكير دون  أكثر من خبرة أولية، فالفيلسوف (جون ديويه) يؤكد أنه لا تفكير إلا حيث هناك مشكلة. 

 

* هل الإشكالية ترادف المشكلة؟   

      ـ لا ترادف بين الإشكالية و المشكلة من حيث الخصائص التالية: 

الإشكالية أوسع من المشكلة، فالأولى تتضمن الثانية. و بعبارة أخرى تتشكل الإشكالية من أكثر من مشكلة أي « المشكلات »، و هي كذلك بحكم علاقة النسبة إلى المشكلة، كما هما مشتقان من نفس المصدر »الإشكال ». لذلك تسمى إشكالية ذلك السؤال المعضلة الذي يحتاج إلى أكثر من طريقة و جواب بحكم تعقده و اتساع مضمونه. و المشكلة هي ذلك السؤال الذي نقترب حين الإجابة عنه شيئا ما من الإشكالية. 

حين فهم الضغط الجوي و أثره في الطبيعة، و نفهم خصائص الماء، يتسنى للإنسان الباحث إدراك العلاقة بين حالات صعود و عدم صعود الماء في المضخات أعلى من 10.33م. 

 

* متى يثير السؤال الفلسفي الدهشة و الإحراج؟ 

للإجابة عن هذا السؤال يتعين علينا تحديد المفاهيم التي يتضمنها، و هي: السؤال الفلسفي، الدهشة    و الإحراج. 

ـ تحديد المفاهيم: 

السؤال الفلسفي. ثلاثة أنواع: 

أ‌)           هو سؤال يطرح إشكالية عندما يتضمن مشكلتين على الأقل. 

ب‌)      سؤال يطرح مشكلة حين يتضمن أطروحة أو أكثر، أو تحليلا لقضية. 

ت‌)      سؤال يطرح إشكالية و مشكلة في نفس الوقت. و هو الأصعب بحكم تعقده… 

 

الدهشة. 

يتأرجح معناها بين الشعور بجهل الصواب و صعوبة الاهتداء إلى سبيل الحق و اليقين و ترادف الحيرة الارتياب و التردد. 

أما في اللاتينية فتعني (étonné= é-tonné) هزيم الرعد. 

و المعنى الذي نعنيه ليس الدهشة التي يفقد فيها الشخص قدراته العقلية و تضطرب فيه قوى النفس   و الجسم، و إنما الدهشة الفلسفية هي التي تجعل الفيلسوف واعيا بجهله من جهة و تدفعه إلى تجاوزه و التحرر منه من جهة أخرى. كما هي معاناة شخصية. 

و مصدرها هو الوعي بالجهل إلى جانب إدراك صعوبة المشكل. يكون الفيلسوف حينها في حال من إدراك التناقض بين المعارف التي حصلت لديه و بين المعطيات الجديدة، فيتحول من الاندهاش إلى الإقرار بجهله، على حد رأي كارل ياسبرس. 

 

الإحراج. 

و هو الحالة التي تضيق بنا الحلول و تنسد المنافذ. اصطلاحا هو الضيق و المشقة في أمور الفكر   و العمل و في الحالة الأولى قد يعني الشك. 

 

ـ علاقة السؤال بالدهشة و بالإحراج. 

 ليحقق السؤال الدهشة و الإحراج، يجب أن تتوفر فيه مجموعة من الخصائص و هي خصائص الموقف الفلسفي، و هي: 

ـ أن يتعلق بقضية فكرية إنسانية. 

ـ أن يتضمن مفارقات و تناقضات. 

ـ أن يفضي القلق و الحيرة و الدهشة إلى اقتراح تأويل و مخرج من المأزق سواء كان بالتركيب   أو التغليب أو التجاوز. 

ـ أن يكون الإحراج حقيقيا، أي ينم عن الوعي بالجهل. 

ـ أن تصاغ بلغة سليمة. 

 

تحقيق السؤال الفلسفي لوظيفته. 

تتمثل وظيفة السؤال الفلسفي في إشباع الفضول العقلي و عقلنة المواقف و تهذيبها. 

و الفرق بين الإشكالية و المشكلة يتمثل في مخلفات ذلك الاضطراب. 

إذا كان الاضطراب إحراجا كانت القضية المطروحة إشكالية، و إذا كان دهشة كانت القضية مشكلة. 

 

* ما طبيعـــة هذه الإثارة؟ 

ـ الإثارة متوقفة على بنية السؤال و استعداد المتعلم. 

إذا كان لا بد ممن يتوجه إليه السؤال الفلسفي ـ و هو الإنسان ـ و مشكلة تتضمن حدودا و مفاهيم بينها علاقات ما، إن إدراك طبيعة تلك العلاقات بين تلك الحدود و تلك المفاهيم هو ما يؤدي إلى إثارة التفكير. 

و إذا كان التفكير وظيفة من وظائف العقل و المتمثلة في استغلال مجموعة الخبرات الإدراكية لا شك أن هذا التفكير لا يحصل بعشوائية و إنما وفق آليات التمييز بين تلك الحدود و تلك المفاهيم. و بعض العلاقات ما يسمى مفارقات هي التي تؤدي إلى إثارة الدهشة و الإحراج. فيعمد العقل إما إلى الجمع        و التقريب بين المتنافرات و الجزيئات، أو إلى التركيب بين المتنافرات.[3] 

 

التناقض: هو ثبوت أمر و نفيه كأن نقول: 

ـ (أ هو ب) و (أ ليس ب). 

ـ (سقراط فيلسوف) نقيضه هو (سقراط ليس فيلسوفا.) 

و المتناقضان لا يصدقان معا و لا يكذبان معا. 

 

هل حين نكون أمام متناقضين نكون أما مشكلة فلسفية؟ 

لا يسعنا القول بذلك إلا إذا كان المتناقضان صحيحين. إي أن المشكلات الفلسفية تناقضات لكن لا تتضمن كل المتناقضات مشكلة فلسفية. 

 

التضاد: هو التخالف أو التناظر، كالسواد و البياض و الحياة و الموت إلخ… لا يصدقان معا، لكن قد يكذبان كلاهما. 

 

التعاكس: هو قلب موضع حدي القضية بحيث تبدأ إحداهما بما انتهت الأخرى أو العكس(!). و المناطقة الصوريون يعرفونه بالعكس المستوي و هو نوع من أنواع الاستدلال المباشر، و ينتقل فيه إلى نتيجة بقلب موضع حدي القضية المحمولة المعطاة أي (الأصلية)، و ذلك بإبقاء كيفها… 

مثال: كل غراب أسود ـ عكسها هو ـ بعض الأسود غراب. 

 

أما التنافر: هو ما تعبر عنه هذه الصور الثلاث السابقة. 

 

لماذا يقلقنا السؤال؟ 

يجب شرح ما يقلق. 

الشيء المقلق هو ما يخلق فينا الارتباك حين الاختيار بين إجابتين تبدوان من جهة صحيحتين و من جهة أخرى متنافرتين. 

و يقع المشكل الفلسفي حين نعي بفقدان التماسك بين عناصر المشكلة، لذا يشعر الفيلسوف بوجوب إعادة ذلك التماسك ـ تجاوز التنافر ـ في المجالات الفكرية المختلفة سواء في الفلسفة، العلم و الدين…    و تلك الصعوبة تتجلى في الصيغ اللغوية. و حين يتم تحليل و تحديد العلاقة بين تلك الحدود و الألفاظ يمكن لنا التعرض و التعبير عن الرأي المقابل. 

و يمكن عرض خمسة أنواع[4] من العلاقات التي تربط بين عناصر السؤال، و هي: 

أ) « برهن على أن التفلسف ضروري ». العلاقة بين عناصر السؤال هي علاقة هوية. و المطلوب إثبات صدق القول بضرورة التفلسف. أي أن الضرورة تقتضي التفلسف. 

 

ب) هل السؤال و الجواب متلازمان؟ العلاقة بين عناصر السؤال هي علاقة تلازم.و يوحي المقام أن التلازم متوجه من السؤال إلى الجواب أو العكس. إلا أنه قد يكون السؤال و يكون الجواب و العكس حينئذ يحقق التلازم. إلا أن هذه التلازم قد يرتفع في حالات يكون فيها السؤال من دون جواب. إذن العلاقة بين السؤال و الجواب تلازم إلى جانب علاقة التقاطع. 

رمز العلاقة:( أ1) س( أ2 ) أو (أ2 ) س (أ1

 

ج) متى يثير السؤال الفلسفي الإحراج؟ 

إن طبيعة العلاقة بين عناصر هذا السؤال هي شرطية.  إن نص السؤال يدعونا إلى تحديد الشروط التي تجعل السؤال الفلسفي يثير الإحراج. صورته: 

متى (أ) س (ب)؟ (أ) س (ب) = (أ) (ب). 

 

د) هل الضدان يجتمعان أو يرتفعان؟ 

السؤال يطرح قضية منطقية و فلسفية و تتمثل في العلاقة بين الضدين، فهل هما متنافيان           أو يجتمعان. و النظرة إلى تعريف الضدين تخبرنا أن المشكلة ليست في تنافيهما و إنما في تلازمهما       و اجتماعهما. العلاقة بين عناصر السؤال يمكن التعبير عنها بـ : 

هل الضدان (أ) س يرتفعان (ب1) أو: أداة تردد ـ (!) يجتمعان (ب2)؟ 

أي، هل (أ) ← (ب1 ) أو (ب2) ؟ 

 

هـ)  » فند القول بأن الضدين لا يجتمعان و لا يرتفعان ». 

المطلوب هو إبطال القول أن الضدين لا يجتمعان معا و لا ينتفيان معا. و حل المشكلة يكون في تفنيدها و إبطالها. 

إذن نستنتج أن هناك من الأسئلة ما هي مفتوحة لا توحي بأي جواب مثل السؤال (ج) و منها ما هي مغلقة. 

 

ما نطاق الأسئلة الفلسفية و ما غايتها؟ 

إن نطاق الأسئلة الفلسفية هو المجال الذي تبحث فيه الفلسفة و هي القضايا الفكرية المحضة (حقيقة الحقائق و أصل الأصول و مبدأ المبادئ). التي تقترح تفسير كل ما يجري في الوجود و ما وراءها على مستوى اتساق الأفكار و منطقها، و هي قضايا فكرية مستعصية و بالغة التجريد لتساميها عن الجزئيات الحسية. هذه السمات ما تجعلها مثيرة للقلق و الدهشة لدى الفلاسفة. 

أما غاية الأسئلة الفلسفية ليست بالضرورة إجابات مطلقة و إنما نهايات يصل إليها الفلاسفة مقياس اليقين فيها أنها لزمت كنتيجة، عن مقدمات، لذا المواقف الفلسفية تتسم بالتناسق في بناءاتها رغم تنوعها و اختلافاتها… فهي مجرد آراء و اقتراحات لا تزال تترك الباب أمام غيرها من الآراء. 

 

 

 



[1] الميتافيزيقيات:  هي الموضوعات التي توازي  الموجودات الحسية. رغم أن أرسطو أسمى الميتافيزيقا بالفلسفة الأولى. و تدرس الميتافيزيقا المبدأ الأعلى لكل ما هو موجود. 

[2]  من خصائص الموقف (السؤال) الفلسفي:الكلية العمومية و النزاهة… 

[3]  و هو ما يسمى بمنطق الوحدة و منطق الجدل. 

[4]  هذه الأمثلة مأخوذة من الكتاب المدرسي. 

bert55 |
Cadence infernale. |
poésie c'est de l'art ,prov... |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | lechatquifume
| aaronjosu
| lectures, actualités et photos