الــــــــرغــــــبة

الرغبة Ledésir كلنا، حدث لنا أن رغبنا في شيء، أن نملك شيئا أو نحقق سعادة. فالرغبة تتحدد بسيرورة الحياة التي تجرنا دوما خارج أنفسنا، نحو موضوعات خارجية نطلب امتلاكها، أو نحو ما نريد أن نكون، لكن لم يكن بعد. هل الرغبة تطلعنا على ما هو الإنسان؟ يرى « سبينوزا » أن الرغبة هي جوهر الإنسان و ليست ظاهرة عرضية. فهي دليل على القصور أو النقص: لا نرغب إلا ما لا نملك. كأن في كل إنسان شعور بعدم الكفاية و نقص يصبو للتحقق يكون مصدر حيوية الوجود. هل يمكن تحديد معنى الرغبة و الحاجة؟ الحاجة تميز حالة البدن حين يحرم مما يضمن وظائفه: نميز الحاجة الحيوية كالشرب و الأكل و التنفس، و ترتبط بحفظ الفرد، و الحاجة الجنسية التي تضمن بقاء النوع . و تضاف إلى هذه الحاجات العضوية ما يسمى بالحاجات غير الطبيعية، التي تخلقها المجتمعات. في الحالتين، تجد الحاجة إشباعها في موضوع يكمله. أما الحال في الرغبة على خلاف ذلك: فهي لا تحدد موضوعها، حين أرغب في تحقيق السعادة، أكون عاجزا عن معرفة ما أنتظر بدقة. موضوع الرغبة غير محدد. هل يمكن أن تشبع الرغبة؟ لا يمكن أن تعني الرغبة أنني أترقب حقيقة إشباعا لا يبقي وراءه أية رغبة. فهو في نفس الوقت يطالب بالتحقق و لا يريد أن يتحقق: فماذا تكون الحياة من دون رغبة، إلا حياة ميتة؟ إلا أن الرغبة تعني أنه لا شيء بإمكانه أن يرضيها تماما. لذا نجد « أفلاطون » في محاورة « غورجياس » يشبه من تسيره الرغبات بالبرميل المثقوب لا يكن له أن يملأ. و الصورة الأخرى يقدمها « شوبنهور » إذ يقول أن أسير الرغبة يتأرجح بين الألم حين لا تتحقق، و الحرمان يزيد من حدة الشعور بالحاجة، و الإحباط حين لا تتحقق الرغبة بالتمام. هل الرغبة بجوهرها عنيفة؟ في كتاب « هوبز » الشهير (التنين)، يبين أن سلوك الإنسان تحركه الرغبة، و متى تحققت واحدة بحث عن تحقيق أخرى… و هكذا إلى ما لا نهاية. لكن كون ما نرغب في هو دوما محدود، تصدم رغباتي لا محالة في لحظة ما برغبات الغير. و هكذا لا يصبح الآخرون منافسين و إنما خصوما. و لن يبقى سبيل إلى منع تحقق رغبة الخصم في منع تحقق رغباتي إلا قتل ذلك الخصم. لأنه كائن ذو رغبة، فالإنسان الطبيعي عنيف: لا بد من دولة (حاكم) ينهي « حرب الجميع على الجميع ». هل كل رغبة رغبة في السلطة؟ في عرضه حول الطبيعة البشرية، يذهب « طوماس هوبز » بعيدا. لا أرغب شيئا إلا لأن آخر يرغبه: أنني لا أرغب الشيء في ذاته، و إنما لأمنع شخصا من أجل الضغط عليه و ليعترف بقدرة على الحصول على ما برى محروما منه. كل رغبة هي الحصول على اعتراف بالسلطة، أي « الشرف » و يقصد إهانة الطرف الآخر. و بعبارة أخرى، إن من خلال الرغبة أقصد التأكيد على تفوقي على الغير، و ليس الفوز بالشيء إلا وسيلة. هل يجب التحكم في رغباته؟ إذا كانت الرغبة لا تشبع، قد تجر الإنسان إلى تجاوزات و منها يتسبب بها في شقائه. الإنسان شقي لأنه يرغب كثيرا و يكيفية خاطئة. أن نتعلم أن نرغب فقط ما هو في متناول قدرتنا، و البقاء في حدود المعقول، و هذه أخلاق الرواقيين. و إن كان الرواقيون يدعون إلى التخلص من كل أشكال الخوف، و منه حتى الخوف من الموت و الله، و الاكتفاء بالرغبات الطبيعية الضرورية، فهذه الرغبات هي في نفس الوقت سهلة الإشباع و مصدر اللذة كما يقول الطبيعيون من أمثال « إبيقور ».

bert55 |
Cadence infernale. |
poésie c'est de l'art ,prov... |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | lechatquifume
| aaronjosu
| lectures, actualités et photos