الشعــور و اللاشعـــور

ماذا نقصد بالشعور؟ و هل يرادف الإحساس؟

كثيرا ما يخلط الناس بين الشعور و الإحساس، و يقدمونهما مترادفين. لكن في الحقيقة هما مختلفان: فالإحساس وظيفة تقوم بها الحواس، إن كل حاسة تستجيب لمنبهات أو مثيرات نوعية هي التأثير الميكانيكي و الكميائي و الفيزيائي. بينما الشعور حالة تعم كل الذات. إننا لا نملك حاسة للخوف أو الفرح…فهذان شعوران، أما الإحساس بالألم، الضوء، و الصوت قيتم بالنهايات العصبية و أجهزة معينة محددة في الجسم. رغم هذا التمايز فقد يؤدي أحدهما إلى تولد الآخر. و العلاقة بينهما أنتجت أن الشعور هو أثر الإحساس في الذات. إما أن يكون الحساس يولد أثرا موافقا للذات أة منافيا لها. إذ الإحساسات إما موافقة للذات أو مخالفة لها. مثل الألم إحساس مناف، و اللذة إحساس ملائم. كذلك يتولد إدراك الإنسان لأحواله و لما حوله. و يقترب معنى الشعور بالوعي. أو الشعور النفسي -la conscience psychique--أو الشعور المنعكس. و ماذا يعني أن

ما هو المقصود من كون الإنسان واعيا؟  

أن يكون الإنسان واعيا يعني أن يكون قادرا على معرفة ذاته من حيث هي موضوع للفكر، فهو ليس كشيء أو مجرد كائن حي، و إنما هو أمام وجود: فالوعي هو الذي يخلق ذلك التمايز بيني و ذاتي من جهة، و العالم الخارجي من جعة أخرى. ى

   هل الوعي يجعل الإنسان سعيد، أم أنه يتسبب في بؤسه؟  يقول « باسكال » أن الوعي يجعل الإنسان أحيانا متميزا و محترما من حيث أن الشعور يجعله مسؤولا عن أفعاله، و أن الوعي يحدد ماهية الإنسان و يشكل كرامته. فحين أكون واعيا أستطيع أن أكون مسؤولا أمام محكمة ضميري  و محاكم الأفراد. إن البعد الروحي للأخلاق ليس في متناول غير الإنسان من بين المخلوقات لافتقار هذه الأخيرة إلى الوعي أو الشعور. لكن رغم أن الوعي، من حيث أنه يقضي في الإنسان على براءة الوجود الطبيعي فهو يجعله  يخطو نحو البؤس و الشقاء، فهذا الوعي يطلعه على تمايزه عن الوجود و على حتمية الموت و فناءه. فالوعي لا يقدرني على معرفة نفسي مثلما نقرأ كتابا مفتوحا: إن معرفة أنني موجود مختلف عن معرفتي لذاتي. اكثر من ذلك، أن كوني كائنا ذو وعي هو الذي يجعلني أخطئ في فهم و معرفة ذاتي، ذلك الذي يجعل الحيوان عاجزا عن الكذب على ذاته لأنه ليس فيه وعي.  هل يمكن أن أشك في الوعي الذي أملكه عن وجودي

أجل، يمكن أن أشك في هذا الوعي الذي أملكه عن وجودي: من كان يعتقد أنه دكي، يمكن أن يكتشف أنه جد محدود القدرة. .. ؛ لكن الوعي بالوجود هي بالضرورة صادقة.ة

لقد وصل « ديكارت » في نهاية خطوات الشك المنهجي إلى اكتشاف الطابع اليقيني المطلق لوجود الذات المفكرة:  « Cogito,ergo sum » « أنا أفكر، إذن أنا موجود » فهذه الحقيقة لا يزعزعها شك، و إن كانت الكثير من اعتقاداتي لا تحوي اكثر من خيالاتي. 

إن هذا المفكر و الرياضي و الفيلسوف جعل من ظاهرة الوعي بالذات أساسا يقينيا للحقيقة، و أنها يجب أن تكون نموذج كل معرفة تريد تشييد نفسها. 

كيف نحدد الوعي؟  أن أعرف يقينا أنني موجود لا يخبرني عمن أكون. إن كان ديكارت يجيب أنني جوهر مفكر متميز عن الجسد. إلا أن تصور الشعور كشيء منفصل عن الجسد و منغلق على نفسه يخطئ طبيعة الشعور من حيث أنه انفتاح على العالم و على الذات. هذا ما أراد أبو الظاهراتية « إيدموند هوسرل » أن يوضحه: ليس الشعور جوهرا ولا مادة، إنما هو نشاط إسقاطي على الأشياء. فهو في تغير مستمر نظرا لعلاقة بين الخبرات الماضية و تجاوز الحاضر من خلال القصد إلى العالم الخارجي و موضوع الشعور. 

فما هي قصدية الشعور؟ ما دام هوسرل يرى أنه لا إدراك إلا لما فيه معنى، فكل وعي هو قصد إلى معايشة تلك المعنى التي تكون قد حصلت عندي و تكون أساس كل موضوع للشعور. و قصة الطفل المتوحش الذي ربته الذئاب، يقول صاحب الرواية أنه لم تكن الطلقات التي توجه نحوه تثير لديه أية ردة فعل، لأنها لم تكن تعني له شيئا، بينما كان يلتفت لمجرد صوت كسر جوزة… 

فما هو الدور الذي يلعبه الوعي في الإدراك؟  حين أدرك شيئا، فإنني أتصوره بشكل « مثل »، إنه بهذا المعنى لا نجد إدراكا من دون معنى. و خاصة أن الوعي جزء من الإدراك: إنني لن أقدر على أن أرى دفعة واحدة الأوجه الستة للمكعب. إذن لا بد من تركيب يتدخل فيه وعيي ( كل أوجه المكعب). فكل إدراك بناء يقتضي نشاطا يقوم به الوعي. هذا ما يسميه « هوسرل » التركيب الزمني السلبي. هو زمني لأن فيه عودة إلى الماضي من حيث استغلال معطيات الخبرات الماضية، و هي سلبية من حيث أن هذا التركيب يقوم به الوعي من دون شعور بكيفية حصوله. 

هل أنا واع كل الوعي بذاتي؟  إن الوعي لا يجعلنا موضوعا شفافا للذات، مثلما نقرأ في كتاب مفتوح: إن معنى الدوافع التي وراء أفعالنا كثيرا ما تفلت منا. هذه الفكرة التي يستند إليها « فرويد » في القول بوجود « اللاوعي » أو اللاشعور » . إن الذات الواعية أضحت من دون سيادة، و الوعي لم يبق له من قيمة كنموذج لكل حقيقة.

ليس اللاوعي انتفاء للوعي: ليست كل ذكرياتي حاضرة في وعيي، هي في ما دون الوعي (ما تحت الشعور). و اللاوعي يشكل نظاما مستقلا لا يمكن أن يكون في متناول الوعي بسبب الكبت. فهو قوة نفسية نشطة تحاول أن تؤثر على السلوك الخارجي من الداخل، و عي نتيجة صراع داخلي بين الرغبات التي تبحث عن الإشباع و التحقق و شخصية تقاومها و تمنع تحققها. و لا يمكن لها أن يعبر عن نفسه إلا في الأحلام و فلتات اللسان، و الأعراض العصبية. و هذا الصراع الذي بيني و ذاتي لا يفكه إلا طرف ثالث،المحلل النفساني، هذا الصراع الذي يفترض « فرويد » وجوده في كل شخص.

bert55 |
Cadence infernale. |
poésie c'est de l'art ,prov... |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | lechatquifume
| aaronjosu
| lectures, actualités et photos