الإدراك

 

 

إنني أحس بالألوان و الروائح و الأصوات، و أدرك دوما شيئا فيه خصائص حسية. إنني أرى معا سبورة و لونا أخضر، و ليس السبورة فقط أو اللون الأخضر.  و إذا كنت، في هذا المثال، لا أدرك فقط أحد الموضوعين، فأنا إذن أتعرف على أشياء، و أقوم بعمل تركيبي لمختلف الإحساسات التي تكون قد وردت عن طريق الحواس المختلفة. فكيف يحصل هذا التركيب و كيف أتعرف على ذلك الشيء أو ذاك؟ 

 

كيف يحصل الترابط بين الإحساس و الإدراك؟ 

يرى التجريبيون أن الإدراك يتكون من مجموع الخبرات الحسية المترابطة (وفق قوانين الارتباط)، ففي المثال المذكور يكون إدراك الشيء حصيلة الترابط بين الإحساسات الجزئية، على غرار كل المعارف. يرى أرسطو أننا مدينون في كل ما نعرفه للحواس. لا نملك شيئا آخر نبني به معارفنا غير تلك الإحساسات المتفرقة من دون أي علاقة. لكن حدوثها في الحواس مقترنة أو مترابطة بالاقتران في الزمان و المكان، أو بالتضاد… تجعلني أتعود على ذلك الترابط بينها: و أسميها بلفظ واحد ما كان معطى لي كإحساسات متفرقة( لون ،صوت، رائحة…) 

 

هل يرجع الإدراك إلى مجموع إحساسات متفرقة؟ 

هل يمكن أن أرجع إدراك الشيء إلى تراكم محسوسات، و الإدراك إلى مجموع الإحساسات التي أتلقاها؟ 

إن ديكارت يستبعد ذلك. لو أخذنا أي شيء مدرك، كتاب بغلافه الخارجي و أوراقه… و حاولنا أن نغير من كل ملامحه الحسية بتمزيقه و تحويله إلى أوراق متناثرة، رغم ذلك فكل من ينظر إلى تلك الأوراق سيعرف أنه هو كتاب. فالشيء المدرك هو غير الشيء المحسوس. فالجوهر يختلف عن الظاهر الحسي.   

فما الذي عرفني بالكتاب، إن لم تكن تلك المعطيات الحسية؟ 

حسب « ديكارت » أن الإدراك وظيفة ذهنية، إذا كان الشيء هو ما يظل ثابتا رغم تغير معطيات الحس، فالإدراك لا يمكن أن يكون إلا تركيبا ذهنيا. فالعقل يشير و يعرفني أن الشيء ليس مجموع الإحساسات، و إنما هو ذلك التشكل ذهني له. 

   

هل يمكن إرجاع الإدراك إلى فعل ذهني؟ 

هل يجب أن نساند التجريبيين في أن الإدراك يعود إلى الإحساس، و منه لا يكون الإدراك سوى مجموع إحساسات من دون  معنى و لا وحدة، و هذا لا يتنطابق مع تجربتنا الإدراكية، أم أننا نساند فكرة « ديكارت » في أن الإدراك مقترن بالتشكيل الذهني، و هذا يمثل أيضا مشكلا. 

لذا نجد في التوجه الظاهراتي (الظواهرية) ما يشير « موريس ميرلوبونتي » إلى ان الإدراك ليس مثلما في الطرحين السابقين، و إنما هو شيء آخر: إذا كان ديكارت يعتقد أن المربع مربع من كل وضعياته، و يصمم التجريبيون أنه هو مجموع إحساسات متفرقة فهما مخطئان. إن الإدراك يختلف عن الحالتين. 

 

فماذا يقترح الظاهراتيون؟ 

يقترح « إ. هوسرل » الحل التالي: ليس الشيء المدرك أشلاء متفرقة من أشتات من المعطيات الحسية، و لا ككل واضح شفاف للذهن الذي يشكله. فهو يتجلى بكيفية ما كل التجارب حسية المتتالية. 

يمكن أن أطوف حول الطاولة التي أجلس فيها، يمكن لي أن أقترب و أبتعد عنها… أعي في كل هذه الحالات أنها هي نفس الطاولة، و من دون أن تكون لدي صورة إدراكية واحدة. فهو ليس تشكيلا ذهنيا و مجرد مظهر. 

 

 

 

bert55 |
Cadence infernale. |
poésie c'est de l'art ,prov... |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | lechatquifume
| aaronjosu
| lectures, actualités et photos